أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
421
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : « وَما أَنْزَلْنا » « ما » عطف على الجلالة ، فهي مجرورة المحل ، وعائدها محذوف . وزعم بعضهم أن جواب الشرط متقدم عليه ، وهو قوله : « فَنِعْمَ الْمَوْلى » . وهذا لا يجوز على قواعد البصريين . قوله : يَوْمَ الْفُرْقانِ يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون منصوبا ب « أَنْزَلْنا » ، أي : أنزلناه في يوم بدر ، الذي فرق فيه بين الحقّ والباطل . الثاني : أن ينتصب بقوله : « آمَنْتُمْ » ، أي : أن كنتم آمنتم في يوم الفرقان ، ذكره أبو البقاء . والثالث : أنه يجوز أن يكون منصوبا ب « غَنِمْتُمْ » . قال الزجاج : أي : ما غنمتم في يوم الفرقان فحكمه كذا وكذا . قال ابن عطية : « وهذا تأويل حسن في المعنى ، ويعترضه أن فيه الفصل بين الظرف وما يعمل فيه بهذه الجملة الكثيرة الألفاظ » . قلت : وهو ممنوع أيضا من جهة أخرى أخص من هذه ، وذلك أن « ما » إمّا شرطية ، كما هو رأي الفراء ، وإمّا موصولة ، فعلى الأول يؤدي إلى الفصل « بين فعل الشرط ومعموله بجملة الجزاء ومتعلقاتها . وعلى الثاني يؤدي إلى الفصل » بين فعل الصلة ومعموله بخبر « أنّ » . قوله : يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فيه وجهان ، أحدهما : أنه بدل من الظرف قبله . والثاني : أنه منصوب ب « الْفُرْقانِ » ، لأنه مصدر ، فكأنه قيل : يوم فرق فيه في يوم التقى الجمعان ، أي : الفرق في يوم التقاء الجمعين . وقرأ زيد بن عليّ « عَلى عَبْدِنا » ، وهذا كما قد قرىء « وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ » . والمراد بالعبد في هذه القراءة هنا : رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، ومن معه من المؤمنين . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 42 ] إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 42 ) قوله : إِذْ أَنْتُمْ . في هذا الظرف أربعة أوجه : أحدها : أنه منصوب ب « اذكروا » مقدرا ، وهو قول الزجاج . الثاني : أنه بدل من « يَوْمَ الْفُرْقانِ » أيضا . الثالث : أنه منصوب ب « قَدِيرٌ » ، وهذا ليس بواضح ، إذ لا يتقيد اتصافه بالقدرة بظرف من الظروف . الرابع : أنه منصوب ب « الْفُرْقانِ » ، أي : فرق بين الحق والباطل إذ أنتم بالعدوة » . قوله : « بِالْعُدْوَةِ » متعلّق بمحذوف ، لأنه خبر المبتدأ ، والباء بمعنى « في » ، كقولك : « زيد بمكة » . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « بالعدوة » بكسر العين فيهما ، والباقون بالضم فيهما ، وهما لغتان في شطّ الوادي وشفيره وضفّته ، سميت بذلك ، لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها ، أي : منعته . قال الشاعر : 2439 - عدتني عن زيارتها العوادي * وحالت دونها حرب زبون وقرأ الحسن وزيد بن علي وقتادة وعمرو بن عبيد بالفتح ، وهي كلها لغات بمعنى واحد ، هذا هو قول جمهور